الأربعاء ٦مايو ٢٠٢٦م
حوار: هيثم موسى
كيف تقيّمون أداء الهيئة في ظل التحديات التي تمر بها البلاد؟
حقيقةً هذا سؤال مهم، لا سيما في هذه المرحلة، والهيئة تبدأ الآن مشروعها بعزيمة وإرادة صادقة ووعيٍ بالتحديات. عندما ننظر إلى أداء الهيئة في ظل الظروف المعلومة الآن، فإن الهيئة، وفقًا لتنظيمها ونظامها، تمتد في كل الولايات، وفي آخر نشاط للهيئة شاركت كل الولايات، والعلماء يقومون بدورهم في المساجد، وفي الحلقات، وفي القوافل الدعوية، وفي تقديم المحاضرات والفتاوى. وهو جهد شعبي، ليس هناك جهة، كيفما كانت، لها أمر أو نهي على هيئة علماء السودان، وإنما الأمر والنهي من شرعنا الحنيف: ما قال الله وما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وما يقدره العلماء فيما يحقق الخير.
والهيئة قامت وتقوم بدور كبير، ولكن لا شك أن الظروف المحيطة أثرت على بعض الجوانب، ونحن نسير نحو الأمن والاستقرار وحسم هذا العدوان الذي يتعرض له السودان، ونسأل الله النصر العاجل والمؤزر، والهيئة سوف تمضي نحو غاياتها كما كانت عبر مسيرتها وتاريخها الحافل.
وأيضًا نذكر بدور أستاذنا وشيخنا البروفيسور محمد عثمان صالح، الذي توفي قبل فترة وجيزة، نسأل الله له الرحمة والمغفرة، ولا بد من الإشارة إلى ما يقوم به العلماء في كافة المحاور: التوعية ونشر الوعي، وأيضًا الدعم المعنوي، والمشاركة الفاعلة في صد العدوان بأموالهم وألسنتهم وبعلومهم ومعارفهم، وبدمائهم حتى يتحقق الأمن والسلم والاستقرار لهذا الوطن.
ما رؤيتكم لتجديد الخطاب الديني بما يواكب الواقع دون الإخلال بالثوابت؟
هذه قضية في غاية الأهمية، وربما الواقع يقول إن التحديات جمة، وتعددت الوسائل، وأصبحت هذه الوسائل قادرة على حمل الآراء السالبة والموجبة، وربما الشبهات، وكل ذلك يمثل تحديات إذا نظرنا إلى الجانب السالب، وهذا بالتأكيد يؤثر على البنية الفكرية والثقافية للمتلقي الذي لم ينل حظًا من العلم والمعرفة، ولم يتوفر له المنهج الذي يقيس به، وهذا تحدٍّ حقيقي. إضافةً إلى ما يتعلق بقضية الخطاب الديني، وكيف نستطيع أن نجعل هذا الخطاب الدعوي الشرعي قادرًا على أن يتصدى للشبهات، وعلى أن يؤسس لبناء علمي معرفي ثقافي قيمي عند الشباب خاصةً وعند عامة المسلمين.
أعتقد أنه لا بد من التجديد، والتجديد أمر قد انتُدبنا له، وهو فريضة عندما يقع التحدي، ولذلك سارت الهيئة منذ يومها الأول على منهج واضح وواحد ومرصود حتى يومنا هذا، وربما تحصل بعض الإشكاليات، كيفما كانت، وإنما أتحدث عن المجرى الأصلي. الهيئة قامت على الوسطية، وعلى جمع أهل القبلة على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم، وإبراز قوة الوحدة الإسلامية.
الخطاب ينبغي أن ينبعث من إرادة جمع الصف، وتوحيد أهل القبلة، وتوحيد أهل الإيمان، والحوار بالتي هي أحسن، مع تقدير أن البعض قد يخطئ، ولكن لا ينبغي أن نُضير بالأخطاء وأن نجعلها هي الأصل، بل نتعاون على البر والتقوى.
ولنا كتب ومؤلفات، ولنا محاضرات مطبوعة ومسموعة في هذا الجانب، نسأل الله أن يبارك في جهود العلماء حتى نصنع وطنًا آمنًا ومجتمعًا متضامنًا.
نشاهد الآن جرأةً أحيانًا على القرآن الكريم من مجموعة من الخرصات والافتراءات تنال من القرآن الكريم، وهذا باب واسع يمكن أن نتحدث فيه لاحقًا، والبعض يريد أن يجعل النص القرآني نصًا تاريخيًا، وبعضهم يريد أن يكتفي بالنص القرآني، ويقرأه من نظرة ذاتية مغلقة، هو الذي يفهم وهو الذي يؤول وهو الذي يفسر النص القرآني، ليقطع النص عن امتداداته العلمية والمعرفية، وهذا تحدٍّ نشاهده اليوم.
وأيضًا الحديث عن السنة والتشكيك فيها جملة واحدة دون منهج، وتجاوزها والنظر إليها كتاريخ مضى، هذه محاولات تصدى لها العلماء، ونشاهد الآن الوعي والأخذ من المنبع الأصل.
الهيئة تهتم بذلك أيما اهتمام، وتعلم أنه واجب عليها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وواجب عليها أن تأخذ بيد المحتاج والضعيف، وأن تنظر في المشكلات في أسبابها وجذورها، وأيضًا في ثمارها، كيفما كانت تلك الثمار، لتأتي بمعالجة من قبل أهل الاختصاص؛ لأن الهيئة تضم كافة شرائح العلماء في جوانب اقتصادية وسياسية واجتماعية، وتكون أكثر حضورًا بتفعيل أماناتها.
والأمانة تشمل في داخلها مجموعة من التخصصات تخاطب قضايا المجتمع، وكما قلت، الحضور في الولايات لهم دور كبير جدًا ومؤثر، وهم رموز في ولاياتهم. تحتاج الهيئة إلى أن تتواصل مع كافة الجهات التي يمكن أن تكون مساندة في تحقيق وإحداث نهضة اجتماعية ومعالجة قضايا المجتمع من كافة الزوايا.
وأشير إلى أن الهيئة مؤسس وعضو أساس في المشروع الوطني لإصلاح وإعمار النسيج المجتمعي، وهو مشروع ضخم ضم العديد من المؤسسات والمنظمات والأشخاص، ووضع برنامجًا شاملًا يلاحق آثار الحرب ويضع تصورًا لما بعد الحرب، ويؤسس لاستراتيجية وطنية شاملة لها من المؤهلات والبرامج ما يعين على تحقيق النهضة ومعالجة مشكلات المجتمع وما أفرزته الحرب وما يقتضيه بناء السلم، والهيئة في هذا الجانب لها سهم وعطاء مشهود.
في ظل التسارع التكنولوجي، كيف توظفون الوسائط الرقمية ومنصات التواصل في نشر الوعي الديني؟
أعتقد أن هذا فريضة، والاستفادة من الوسائط واجب. هناك مشكلة، ربما، في الفتوى؛ إذ أصبحت تُطرح من قبل من لا يحسن مدخلها ومخرجها، وبعض الناس اعتبروها نوعًا من الظهور والنشاط الذي يحقق لهم بعض الرضا النفسي، وهي مشكلة حقيقية.
الهيئة لها موقع إلكتروني، وجل العلماء يشاركون في المنتديات الإلكترونية، ويشاركون في مختلف هذه الوسائط، ويقدمون رؤية في الفتوى والمحاضرة، ولكننا نحتاج في المرحلة المقبلة إلى جهد أكبر في تفعيل هذه الوسائط وفي توظيفها بصورة أكثر حضورًا وأكثر قوة، حتى نعالج الآثار السالبة للمنصات السالبة وللآراء السالبة، وحتى يجد الناس المنفذ والمنصة الحقيقية التي تحمل بصمة العلماء وتقدم العلم الهادئ المرشد الذي يوحد الأمة ويتجاوز الخلافات ويحقق معاني الوسطية ويعزز قيم الوحدة.
ما هي استراتيجيتكم في التصدي لخطاب الغلو والتطرف وتعزيز الوسطية؟
لدينا استراتيجية الآن في عشرة محاور، هي التي تشكل تمام وكمال الاستراتيجية، ومن ضمنها بالضرورة التصدي لخطاب الغلو والتطرف. رفعنا شعارات من قبل في مؤتمرات الهيئة، وكانت لنا مؤتمرات في كافة الولايات ومؤتمر مركزي في الخرطوم، تحدثنا فيه عن وطن آمن ومجتمع متضامن، وحذرنا من خطاب الكراهية ومن الجرأة، وذلك من خلال أنشطة المؤتمرات، وأيضًا القوافل الدعوية والكتب والمنشورات.
وكان همنا الأكبر أن نبرز هذا الخطاب الوسطي، وبفضل الله تحقق ذلك، والسودان، لولا هذه الحرب، معروف عنه التوسط في الخطاب والتوسط في الدعوة بشكل عام. وربما يقع هناك بعض الشاذ من القول والفعل، ولكن السودان وطن يتقبل فيه الشعب النصح ويتقبل الآخر. هذا هو همنا، ونحن الآن نسير على ذات الطريق الذي وضع لبناته من سبق، ولن نفرط في ذلك من خلال مناهجنا وخطابنا.
كيف تنظرون إلى طبيعة العلاقة بين الهيئة ومؤسسات الدولة المختلفة؟
هناك علاقة يمكن أن نقول إنها قانونية لائحية، تفرض علينا أن نمارس نشاطنا ونحن نعبر عن العلماء في ظل الدولة التي نعمل فيها. نقدر القوانين والضوابط والدساتير الهادية والموجهة والقيم الحاكمة، وهذا أمر نلتزمه وندعو إليه.
والمؤسسات التي نتعامل معها نتعامل معها بهذا الاعتبار، أننا هيئة للعلماء، وقمة العلماء ينضمون لهذه الهيئة، ونجد الاحترام من كافة المؤسسات في الدولة.
مرت الهيئة بظروف، ووقع عليها بعض الظلم والحيف، وأثر ذلك على مبانيها في فترة من الفترات، ثم جاءت الحرب ووقع دمار في مبانيها، والآن استردت عافيتها وتتجاوز الماضي وتسير بخطوات نحو المستقبل، وتتعاون مع الهيئات ومؤسسات الدعوة والإرشاد، وعلى رأسها الوزارة التي تضطلع بذلك، وأيضًا المؤسسات الفقهية، ومع كافة الجهات التي لنا بها صلة نتواصل معها.
كما نتواصل خارج السودان مع كثير من المؤسسات العلمائية والمؤسسات الإرشادية والمنظمات على مستوى الأفراد، ولكن يهمنا على مستوى الهيئة أننا نتحرك الآن وفق رؤية واضحة ومحددة، وسوف يكون لذلك أثر إيجابي الآن وما بعد الحرب على مجتمعنا وعلى وطننا السودان.
ما خططكم لتطوير التعليم الشرعي وإعداد جيل جديد من العلماء والدعاة؟
هذه قضية مهمة. هناك جامعات تهتم بهذا الجانب، وهو جانب تخصصي، وجل الجامعات لها منهج في الثقافة الإسلامية وفي ما يعزز قيم الدين وقيم الإيمان.
لدينا رؤية في الاهتمام بشباب العلماء، بل رؤية في أكاديمية العلماء، ونبشر من خلال هذا اللقاء – وقد طرحناه من قبل للعلماء في مجلسهم – أن أكاديمية العلماء سوف تهتم أيما اهتمام بتطوير التعليم الشرعي، بالتواصل مع المؤسسات وبالاهتمام الذاتي.
ولدينا خطة في البحث العلمي، تخصيص جوائز باسم عدد من العلماء في مجال البحث العلمي والنشاط الدعوي لطلاب الجامعات ولغيرهم من الباحثين، وقد اخترنا عددًا من العلماء الأجلاء الذين قدموا لهذه الهيئة وجعلناهم رموزًا، وهناك جوائز بأسمائهم سوف تمول من بعض أهل الخير والمهتمين بالعمل الدعوي.
هل لدى الهيئة شراكات مع مؤسسات علمية أو دعوية داخل السودان أو خارجه؟
نعم، الهيئة عضو فاعل في اتحاد علماء المسلمين منذ التأسيس، وكان لنا في ما سبق والآن ينشط ذلك، وشاركنا في عدد من المؤتمرات في الدول، وأيضًا مذكرات تفاهم.
تأثرت الشراكات في الفترة الماضية جراء ما تعرض له السودان، ولكن هناك الآن عمل مع عدد من الدول وعدد من المؤسسات، وبعضه سيتواصل وبعضه سيرى النور في المرحلة القادمة، ونتواصل معكم بالتفاصيل في وقتها، ونتوقع أن يكون لذلك أثر طيب في المرحلة القادمة.
كيف أثرت الأوضاع الراهنة على عمل الهيئة وبرامجها الدعوية؟
بالتأكيد، ما قبل الحرب تعرضت الهيئة لمحاولات لإضعافها وتجميدها وحصر نشاطها، ولكن تجاوزت ذلك الآن واستردت عافيتها. نعم، تأثرت بالحرب على مستوى الفروع في الولايات وعلى مستوى العاصمة، وحتى المقر تعرض لتخريب ضخم، وهذا أثر سلبًا.
ولكن الداعية والعالم، كيفما كانت المتغيرات والظروف المحيطة، فهو يصنع برنامجه ويضع خطته ويمضي إلى الأمام. والآن الطريق إلى حد كبير وضحت معالمه، وبدأت خطوات جادة في الوصول إلى الغايات التي نبتغيها، وتجاوز آثار المرحلة الماضية، بل هذه المرحلة التي نحن فيها، بإحسان التعامل مع الواقع وتقديم الدعوة وفق مقتضيات المتغيرات، هذا الذي نعمل من أجله.
كيف تتعاملون مع التحديات التي تواجه الشباب، خاصة في ظل الانفتاح الثقافي والإعلامي؟
الواقع أن هناك تحديات خاصة بالشباب، لا شك في ذلك، والشباب أكثر نشاطًا في استقبال كثير من الرسائل التي ترد عبر الوسائط. الانفتاح الثقافي والإعلامي لا سبيل إلى وضع حواجز له أو تحديد محرمات، وإنما هذه مساحات للتنافس، وسيكون التنافس بتقديم الخير والدعوة إلى ما فيه الصلاح، وبمنافسة الدعوات الأخرى.
ودائمًا الحق في النهاية هو الأكثر وضوحًا وإنارة، وهكذا ينبغي أن تكون مخاطبة الشباب باحترام عقولهم، ومعرفة التحديات التي يواجهونها، وعدم الوصاية عليهم، حتى لا يشعروا بأن هناك ما يُفرض عليهم، وإنما بمخاطبتهم بخطاب موضوعي عقلاني شرعي ينظر في الواقع ويفند الشبهات ويبين الحقائق.
ما هي رؤيتكم الاستراتيجية لمستقبل هيئة علماء السودان خلال السنوات القادمة؟
وضعنا خطة استراتيجية من عدد من المحاور، وستنفذ من خلال مؤتمر مجلس العلماء والأمانة العامة، وهي الأجسام الإدارية والدستورية التي تتحرك من خلالها الهيئة لمخاطبة المجتمع. وسوف تناقش هذه الاستراتيجية وتعتمد وتنزل إلى أرض الواقع، وسوف نملككم صورة من برامجها ومحاورها.
ونتوقع مشاركة هذه الأمة كل فيما يليه حتى ننجح في تنفيذ ما ورد فيها وإنزال مطلوباتها إلى أرض الواقع. والتحديات القائمة الآن تفرض علينا أن نضع رؤى بعيدة المدى، ولكن أيضًا ننظر إلى الواقع، واقع ما أفرزته الحرب من تحديات خطيرة جدًا أدت إلى اضطراب في النسيج الاجتماعي والعلاقات والاستقرار، وسوف تخاطب الاستراتيجية هذا الواقع لمعالجة هذه العلل حتى نعود إلى مجتمع آمن متضامن مستقر.
كيف تتعاملون مع فوضى الفتاوى المنتشرة عبر الإنترنت ووسائل التواصل؟
هذه حقيقة، والفوضى في الفتاوى أصبحت وكأنها حالة نفسية عند البعض، ولا يصدرون عن علم أو معرفة، وإنما وجدوا ساحة فأرادوا الظهور فيها.
الموقف من ذلك أن العلم لا يؤخذ إلا من أهله ومن مصادره، ولا تؤخذ الفتوى من الإنترنت أو وسائل التواصل هكذا بإطلاق، بل لا بد من معرفة المرجعية والاطمئنان إليها. أما الذين يصدرون الفتاوى دون علم فيتحملون المسؤولية في الدنيا والآخرة، ويستعجلون في إصدار الأحكام، وهذه أخطاء كبرى.
والتصدي لذلك يكون بعدم اعتمادها، وفتح المسارات الصحيحة، وربط الناس بالمنصات الموثوقة.
ما إسهام الهيئة في معالجة النزاعات وتعزيز التماسك الاجتماعي؟
هذا ميراث للهيئة، ولها تاريخ في ذلك، وهي الآن تشارك في المشروع الوطني للإصلاح، ولديها خطة واضحة لمعالجة آثار النزاعات، وعمل على مستوى الولايات، وعمل وفق رؤية استراتيجية، يتناسب مع حجم التحديات، وبالتعاون مع الجهات الأخرى لتحقيق الاستقرار.
كيف تتعاملون مع القضايا المستجدة مثل الاقتصاد الرقمي والبنوك والمعاملات الحديثة؟
لدينا دوائر للفتوى، ومجلات علمية، ومجمع فقهي، وأساتذة جامعات، تُطرح عبرهم هذه القضايا وتُناقش، ويتم التوصل إلى الرأي الفقهي المناسب، مع مراعاة المستجدات وضبطها بالضوابط الشرعية.
هل هناك تجديد في رؤية الهيئة وبرامجها؟
نعم، لا بد من التجديد، وهناك رؤية لتطوير العمل والبرامج بما يتناسب مع التحديات، مع التركيز على الإعلام، واحترام التخصصات، وتجاوز الخلافات، والعمل من أجل القيم العليا للمجتمع.
هل الهيئة منفتحة على التخصصات الأخرى؟
الهيئة ليست قاصرة على التخصصات الشرعية فقط، بل هي منفتحة على كافة التخصصات، لأن العلم شامل، وكل من يبدع في مجاله يُعد عالمًا فيه، ويمكن أن ينضم للهيئة وفق الضوابط المنظمة.

